الإسلام من القرآن

الشیعة, أهل السنّة والجماعة, الرافضي الرافضة الروافض, الردّ علی الوهابية

الحجّة الغرّاء على شهادة الزهراء (ع)

تأليف العلاّمة المحقّق  آية الله جعفر السبحاني

 

محاولات الترويع على لسان المؤرخين

 

1. ابن أبي شيبة والمصنف

2. البلاذري وكتاب الأنساب

3. ابن قتيبة والإمام والسياسة

4. الطبري وتاريخه

5. ابن عبد ربّه والعقد الفريد

6. ابن عبد البر والاستيعاب

7. ابن أبي الحديد وشرح نهج البلاغة

8. أبو الفداء والمختصر في تاريخ البشر

9. النويري ونهاية الارب في فنون الأدب

10. السيوطي ومسند فاطمة

11. المتقي الهندي وكنز العمال

12. الدهلوي وإزالة الخفاء

13. محمد حافظ إبراهيم والقصيدة العمرية

14. عمر رضا كحالة وأعلام النساء

 

1. ابن أبي شيبة و «المصنف»

أخرج عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي (المتوفّى سنة 235) في كتابه «المصنف» المطبوع، في الجزء الثاني في باب «ما جاء في خلافة أبي بكر وسيرته في الردة» أخرج، وقال: حدّثنا محمد بن بشر، حدّثنا عبيد اللّه بن عمر، حدّثنا زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّى دخل على فاطمة، فقال:

 

يا بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)! واللّه ما من أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاءوها، فقالت: تعلمون أنّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم اللّه ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فَرَوا رأيكم ولا ترجعوا إلي، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتّى بايعوا لأبي بكر

(المصنف:8/572، ط دار الفكر، بيروت، تحقيق و تعليق سعيد محمد اللحام)

 

إنّ الاحتجاج بهذا الحديث رهن وثاقة المؤلف ورواته، فلنبدأ بدراسة سيرتهم.

 

أمّا ابن أبي شيبة، فكفى في وثاقته ما ذكره الذهبي في «ميزان الاعتدال» حيث قال:

عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة الحافظ الكبير، الحجة، أبو بكر. حدّث عنه أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو القاسم البغوي، والناس ووثقه جماعة.

ثمّ قال: أبو بكر «يريد به أبو شيبة»، ممّن قفز القنطرة، وإليه المنتهى في الثقة، مات في أوّل سنة 235(ميزان الاعتدال:2/490، رقم 4549)

 

هذا حال المؤلف، وأمّا حال الرواة فلنبدأ بالأوّل فالأوّل:

 

محمد بن بشر:

يعرفه ابن حجر العسقلاني، بقوله: محمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد اللّه الكوفي.

و ثقه ابن معين، و عرفه أبو داود بأنّه أحفظ من كان بالكوفة، قال البخاري وابن حبان في الثقات: مات سنة 203.

ثمّ نقل توثيق الآخرين له(تهذيب التهذيب:9/73، رقم الترجمة90.)

 

عبيد اللّه بن عمر

  يعرفه ابن حجر العسقلاني، بقوله: عبيد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي، العمري، المدني، أبو عثمان أحد الفقهاء السبعة، وقد توفّـي عام 147هـ.

  قال عمرو بن علي: ذكرت ليحيى بن سعيد قول ابن مهدي: إنّ مالكاً أثبت من نافع عن عبيد اللّه، فغضب وقال: قال أبو حاتم عن أحمد: عبيد اللّه أثبتهم وأحفظهم وأكثرهم رواية.

قال ابن معين: عبيد اللّه من الثقات.

وقال النسائي: ثقة، ثبت.

وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة.

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء(تهذيب التهذيب:7/38 ـ 40، رقم الترجمة71.)

 

زيد بن أسلم العدوي

عرفه ابن حجر العسقلاني، وقال: زيد بن أسلم العدوي، أبو أُسامة، ويقال: أبو عبد اللّه المدني، الفقيه، مولى عمر، وثّقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد، وابن خراش.

وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، من أهل الفقه والعلم، وكان عالماً بتفسير القرآن، مات سنة 136(تهذيب التهذيب:3/395 ـ 396، رقم الترجمة728)

 

أسلم العدوي

أسلم العدوي، مولاهم أبو خالد،ويقال أبو زيد، غير انّه حبشي، وقيل من سبي عين التمر، أدرك زمن النبي وروى عن أبي بكر، ومولاه عمر، وعثمان وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وحفصة.

قال العجلي: مدني، ثقة، من كبار التابعين.

وقال أبو زرعة: ثقة.

وقال أبو عبيد: توفي سنة ثمانين.

وقال غيره: هو ابن مائةوأربعة عشرة سنة(تهذيب التهذيب:1/266، رقم الترجمة501)

 

وقد اكتفينا في ترجمة رجال السند بما نقله ابن حجر العسقلاني، ولم نذكر ما ذكره غيره في حقّهم روماً للاختصار. فتبين من هذا البحث انّ الرواية صحيحة، والاسناد في غاية الصحّة.

 

2. البلاذري و «الأنساب»

إنّ أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، الكاتب الكبير، صاحب التاريخ المعروف، نقل الحادثة المريرة في كتابه وقال: في ضمن بحث مفصل عن أمر السقيفة:

 

لما بايع الناس أبا بكر اعتذر علي والزبير، إلى أن قال: إنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك

(أنساب الاشراف:1/586، طبع دار المعارف بالقاهرة)

 

والاستدلال بالرواية رهن وثاقة المؤلف و من روى عنهم، فنقول:

 

أمّا المؤلف فقد وصفه الذهبي في كتاب «تذكرة الحفاظ» ناقلاً عن الحاكم بقوله: كان واحد عصره في الحفظ وكان أبو علي الحافظ ومشايخنا يحضرون مجلس وعظه يفرحون بما يذكره على رؤوس الملأ من الأسانيد، ولم أرهم قط غمزوه في اسناد إلى آخر ما ذكره(تذكرة الحفاظ:3/892 برقم 860)

  وقال أيضاً في سير أعلام النبلاء: العلاّمة، الأديب، المصنف، أبو بكر، أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي، البلاذري، الكاتب، صاحب «التاريخ الكبير»( سير اعلام النبلاء:13/162، رقم 96)

وقال ابن كثير في كتاب «البداية والنهاية» نقلاً عن ابن عساكر: كان أديباً، ظهرت له كتب جياد(البداية والنهاية:11/69، حوادث سنة 279)

هذا هو حال المؤلف، وأمّا حال الرواة الواردة أسماؤهم في السند، فإليك ترجمتهم:

 

المدائني

وهو علي بن محمد أبوالحسن المدائني الأخباري، صاحب التصانيف، روى عنه الزبير بن بكار، وأحمد بن زهير، والحارث بن أبي أُسامة، ونقل الذهبي عن يحيى انّه قال: المدائني ثقة، ثقة، ثقة، توفّي عام أربع أو خمس وعشرين ومائتين(ميزان الاعتدال:3/153، رقم الترجمة5921)

 

مسلمة بن محارب

مسلمة بن محارب الزيادي عن أبيه، ذكره البخاري في تاريخه(التاريخ الكبير:7/387، رقم الترجمة1685)

وقد قال أهل العلم انّ سكوت أبـي زرعة أو أبـي حاتم أو البخاري عـن الجرح فـي الراوي توثيق لـه، وقـد مشى على هذه القاعـدة الحـافظ ابـن حجر فـي «تعجيل المنفعة» فتراه يقول فـي كثير من المواضع: ذكره البخاري ولم يذكـر فيـه جرحاً(لاحظ قواعد في علوم الحديث:385و 403 و تعجيل المنفعة:219، 223، 225، 254)

 

سليمان بن طرخان

سليمان بن طرخان التيمي ـ ولاءً ـ روى عن أنس بن مالك وطاووس وغيرهم، قال الربيع بن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحداً أصدق من سليمان التيمي.

وقال عبد اللّه بن أحمد عن أبيه: ثقة.

وقال ابن معين والنسائي: ثقة.

وقال العجلي: تابعي، ثقة فكان من خيار أهل البصرة.

إلى غير ذلك من التوثيقات، توفّـي عام 97(تهذيب التهذيب:4/201ـ202، رقم الترجمة341)

 

ابن عون

عون بن ارطبان المزني البصري، رأى أنس بن مالك(توفّـي عام 151).

قال النسائي في الكنى: ثقة، مأمون.

وقال في موضع آخر: ثقة، ثبت.

وقال ابن حبان في الثقات: كان من سادات أهل زمانه، عبادة وفضلاً وورعاً ونسكاً وصلابة في السنة وشدة على أهل البدع(تهذيب التهذيب:5/346 ـ 348، رقم الترجمة600)

إلى هنا تبين صحّة السند وانّ الرواية صحيحة، رواتها كلّهم ثقات، وكفى في ذلك حكماً.

 

وهذان النصان المرويان عن الثقات يعرب عن نوايا سيئة للخليفتين، وسيوافيك في القسم الثاني انّهم جسدوا نواياهم حيال أهل بيت النبوة (عليهم السَّلام).

 

3. ابن قتيبة و «الإمامةو السياسة»

  المؤرخ الشهير عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (213 ـ 276) وهو من رواد الأدب والتاريخ، وقد ألف كتباً كثيرة منها «تأويل مختلف الحديث» و «أدب الكاتب» وغيرهما من الكتب(الأعلام:4/137) قال في كتابه الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء:

 

إنّ أبا بكر (رضي الله عنه) تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي كرم اللّه وجهه، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص انّ فيها فاطمة، فقال: وإن.

إلى أن قال: ثمّ قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا فاطمة فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبت[يا] رسول اللّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين. وكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تتفطر وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذاً واللّه الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك....إنّ من

(الإمامة والسياسة:12، 13 طبعة المكتبة التجارية الكبرى، مصر)

 

  قرأ كتاب «الإمامة والسياسة» يرى أنّها نظير سائر الكتب لقدمائنا المؤرخين كالبلاذري والطبري وغيرهم، وقد نسب هذا الكتاب إليه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة، ونقل عنه مطالب كثيرة ربما لا توجد في هذه النسخة المطبوعة بمصر، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على تطرق التحريف لهذا الكتاب، كما نسبه إليه الياس سركيس في معجمه(معجم المطبوعات العربية:1/212)

نعم ذكر صاحب الأعلام انّ للعلماء نظراً في نسبته إليه، ومعنى ذلك انّ غيره تردد في نسبته إليه، والتردد غير الإنكار.

وعلى كلّ حال فهو كتاب تاريخي نظير سائر الكتب التاريخية.

 

4. الطبري وتاريخه

محمد بن جرير الطبري (224 ـ 310هـ) صاحب التاريخ والتفسير المعروفين بين العلماء، وقد صدر عنهما كلّ من جاء بعده، قد ذكر قصة السقيفة المحزنة، وقال:

 

حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب، منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة فخرج عليه الزبير، مصلتاً بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه

(تاريخ الطبري:2/443، طبع بيروت)

 

وهذا المقطع من تاريخ الإسلام يعرب عن أنّ أخذ البيعة للخليفة كان عنوة، وإنّ من تخلف عنها سوف يواجه مختلف أساليب التهديد من حرق الدار وتدميره، وبما انّ الطبري نقل الأثر بالسند فعلينا دراسة سنده مثلما درسنا ما رواه ابن أبي شيبة والبلاذري حتى يعضد بعضه بعضه ولا يبقى لمشكك شك ولا لمرتاب ريب.

أمّا الطبري فليس في إمامته ووثاقته كلام، فقد وصفه الذهبي بقوله: الإمام الجليل، المفسر، صاحب التصانيف الباهرة، ثقة، صادق(ميزان الاعتدال:4/498، رقم 7306)

وأمّا دراسة رواة السند، فنقول:

 

ابن حميد

هو محمد بن حميد الحافظ، أبو عبد اللّه الرازي، روى عن عدّة منهم يعقوب ابن عبد اللّه القمي، وإبراهيم بن المختار، وجرير بن عبد الحميد، وروى عنه أبو داود والترمذي، وابن ماجة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، إلى غير ذلك.

نقل عبد اللّه بن أحمد، عن أبيه: لا يزال بالري علم ما دام محمد بن حُميد حيّاً.

وقيل لمحمد بن يحيى الزهري: ما تقول في محمد بن حميد: قال: ألا تراني هوذا، أُحدث عنه.

وقال ابن خيثمة: سأله ابن معين، فقال: ثقة، لا بأس به، رازي، كيّس.

وقال أبو العباس بن سعيد: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، يقول: ابن حُميد ثقة، كتب عنه يحيى. مات سنة248هـ.( تهذيب التهذيب:9/128 ـ 131، رقم الترجمة180) نعم ربما جرحه بعض غير انّ قول المعدل مقدم على الجارح.

 

جرير بن عبد الحميد

جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد اللّه الرازي، القاضي، ولد في قرية من قرى إصفهان، ونشأ بالكوفة، ونزل الري، روى عنه إسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وجماعة.

كان ثقة يرحل إليه.

وقال ابن عمار الموصلي: حجّة، كانت كتبه صحيحة(تهذيب التهذيب:2/75، رقم الترجمة116)

 

المغيرة بن مِقْسم الضبي

المغيرة بن مِقْسم الضبي، الكوفي، الفقيه، روى عنه شعبة، والثوري، وجماعة، قال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحداً أفقه من مغيرة فلزمته.

قال العجلي: المغيرة ثقة، فقيه الحديث.

وقال النسائي: ثقة، توفي سنة 136هـ.

وذكره ابن حِبّان في الثقات(تهذيب التهذيب:10/270، برقم 482)

 

زياد بن كُليب

عرفه الذهبي بقوله: أبو معشر التميمي، الكوفي، عن إبراهيم والشعبي وعنه مغيرة، مات كهلاً في سنة 110هـ، وثّقه النسائي وغيره(ميزان الاعتدال:2/92، برقم 2959)

وقال ابن حجر: قال العجلي: كان ثقة في الحديث، وقال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين(تهذيب التهذيب:2/382، برقم 698)

 

إلى هنا تمّت دراسة سند الرواية التي رواها الطبري، ولنقتصر في دراسة الاسناد بهذا المقدار لانّ فيما ذكرنا غنى وكفاية.

 

5. ابن عبد ربه و العقد الفريد

إنّ شهاب الدين أحمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسي (المتوفّى عام 463هـ) عقد فصلاً لما جرى في سقيفة بني ساعدة، وقال: تحت عنوان «الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر»:

 

علي والعباس، والزبير، وسعد بن عبادة، فأمّا علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حيث بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليُخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة

(العقد الفريد:4/87، تحقيق خليل شرف الدين)

 

وهذا النص من هذا المؤرخ الكبير، أقوى شاهد على انّ الخليفة قد رام احراق الباب والدار بغية أخذ البيعة من علي ومن لازم بيته، وما قيمة بيعة تؤخذ عنوة.

 

6. ابن عبد البر والاستيعاب

روى أبو عمرو يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر (368 ـ 463هـ) في كتابه القيم «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» بالسند التالي:

 

حدّثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيّوب، حدّثنا أحمد بن عمرو البزاز، حدّثنا أحمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن نسير، حدّثنا عبد اللّه بن عمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، انّ عليّاً والزبير كانا حين بُويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ويتراجعان في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها عمر، فقال: يا بنت رسول اللّه، ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ. ثمّ خرج وجاءوها. فقالت لهم: إنّ عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلنّ، وأيم اللّه ليفينّ بها

(الاستيعاب:3/975، تحقيق علي محمد البجاوي، ط، القاهرة)

 

ثمّ إنّ أبا عمرو لم ينقل نصّ كلام عمر بن الخطاب، وإنّما اكتفى بقوله: «لأفعلن ولأفعلنّ». وقد تقدّم نصّ كلامه في نصوص الآخرين كابن أبي شيبة والبلاذري والطبري، ولعلّ الظروف لم تسنح له بالتصريح بما قال.

 

7. ابن أبي الحديد وشرح نهج البلاغة

نقل عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني المعتزلي (المتوفّى عام655) عن كتاب السقيفة لأحمد بن عبد العزيز الجوهري انّه قال:

 

لما بويع لأبي بكر كان الزبير والمقداد يختلفان في جماعة من الناس إلى عليّ، وهو في بيت فاطمة، فيتشاورون ويتراجعون أمورهم، فخرج عمر حتى دخل على فاطمة (عليها السَّلام)،وقال: يا بنت رسول اللّه، ما من أحد من الخلق أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا قلت بعد أبيك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بتحريق البيت عليهم، فلمّا خرج عمر جاءوها، فقالت: تعلمون انّ عمر جاءني، وحلف لي باللّه إن عدتم ليحرقن عليكم البيت، وأيم اللّه ليمضين لماحلف له

(شرح نهج البلاغة:2/45، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم)

 

8. أبو الفداء والمختصر في أخبار البشر

ألّف إسماعيل بن علي المعروف بأبي الفداء (المتوفّى عام 732هـ) كتاباً أسماه «المختصر في أخبار البشر» ذكر فيه قريباً ممّا ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد، حيث قال:

ثمّ إنّ أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة رضي اللّه عنها، وقال: إن أبوا عليك فقاتلهم، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار فلقيته فاطمة رضي اللّه عنها، وقالت: إلى أين يابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو يدخلوا فيما دخل فيه الأُمّة(1)

 

9. النويري و «نهاية الارب في فنون الأدب»

أحمد بن عبد الوهاب النويري (677 ـ 733هـ) أحد كبار الأدباء، له خبرة في التاريخ يعرّفه في الأعلام بقوله: عالم، بحاث، غزير الاطّلاع وقال في كتابه «نهاية الإرب في فنون الأدب» ـ الذي وصفه الزركلي بقوله: إنّ نهاية الارب على الرغم من تأخر عصره يحوي أخباراً خطيرة عن صقيلة نقلها عن مؤرخين قدماء لم تصل إلينا كتبهم مثل ابن الرقيق، وابن الرشيق وابن شداد وغيرهم ـ قال:( المختصر في تاريخ البشر:1/156، ط دار المعرفة، بيروت) روى ابن عمر بن عبد البر، بسنده عن زيد بن أسلم، عن أبيه: انّ عليّاً والزبير كان حين بويع لأبي بكر، يدخلان على فاطمة، يشاورانها في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها، فقال: يا بنت رسول اللّه ما كان من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك وما أحد أحبّ إلينا بعده منك، وقد بلغني انّ هؤلاء النفر يدخلون عليك ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ! ثمّ خرج وجاءوها، فقالت لهم: إنّ عمر قد جاءني وحلف إن عدتم ليفعلنّ وأيم اللّه ليفين

(نهاية الارب في فنون الأدب:19/40، ط القاهرة، 1395هـ)

 

10. السيوطي ومسند فاطمة

جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (848 ـ 911هـ) ذلك الباحث الكبير، والمؤرخ الخبير، يذكر في كتابه «مسند فاطمة» نفس ما رواه المؤرخون عن زيد بن أسلم عن أبيه أسلم:

 

انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)كان علي والزبير يدخلون على فاطمة بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ويشاورونها ويرجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول اللّه، واللّه ما من الخلق أحد أحبّ إليّ من أبيك وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، ان آمرهم أن يحرق عليهم الباب، فلما خرج عليهم عمر جاءوا، قالت: تعلمون انّ عمر قد جاءني وقد حلف باللّه لئن عدتم ليحرقنّ عليكم الباب، وأيم اللّه ليمضين لما حلف عليه(مسند فاطمة: السيوطي: 36، ط مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت)

 

11. المتقي الهندي و كنز العمال

نقل علي بن حسام الدين المعروف بالمتقي الهندي (المتوفّى عام 975) في كتابه القيم «كنز العمال» ما جرى على بيت فاطمة الزهراء (عليها السَّلام) وفق ما جاء في كتاب «المصنف» لابن أبي شيبة، حيث قال:

 

عن أسلم انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كان علي والزبير يدخلون على فاطمة (عليها السَّلام)بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ويشاورونها ويرجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتّى دخل على فاطمة (عليها السَّلام)، فقال: يا بنت رسول اللّه ما من الخلق أحد أحبُّ إليَّ من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه ماذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم الباب.إلى آخر ما ذكر

(كنز العمال:5/651، برقم 14138)

 

12. الدهلوي وإزالة الخفاء

نقل ولي اللّه بن مولوي عبد الرحيم العمري، الدهلوي، الهندي، الحنفي(1114 ـ 1176هـ) في كتابه «إزالة الخفاء» ما جرى في سقيفة بني ساعدة، وقال:

عن أسلم باسناد صحيح على شرط الشيخين، وقال:

 

انّه حين بويع لأبي بكر بعد رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان عليّوالزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب، خرج حتّى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، واللّه ما من الخلق أحد أحبّ إلينا من أبيك، وما من أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك، وأيم اللّه فانّ ذلك لم يكن بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت

(إزالة الخفاء:2/178)

 

وذكر قريباً من ذلك في كتابه الآخر «قرة العينين»( قرة العينين:78)

 

13. محمد حافظ إبراهيم والقصيدة العمرية

محمد حافظ بن إبراهيم فهمي المهندس، الشهير بحافظ إبراهيم(1287 ـ 1351هـ)، شاعر مصر القومي. طبع ديوانه في مجلدين، وله قصيدة عمرية احتفل بها أُدباءمصر، وممّا جاء فيها قوله:

 

وقولة لعلي قالها عمر              أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها   إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها  أمام فارس عدنان وحاميها

(ديوان حافظ إبراهيم:1/82)

 

والعجب انّ شاعر النيل يجعل الموبقات منجيات، ويعد السيئات من الحسنات، وما هذا إلاّ لأنّ الحب يعمي ويصم.

ومعنى هذا انّه لم يكن لبنت المصطفى أي حرمة ومكرمة عند عمر حين استعد لإحراق الدار ومن فيها لكي يصبح أبوبكر خليفة للمسلمين.

 

قال الأميني عقب نقله للأبيات الثلاثة، ما هذا نصّه:

ماذا أقول بعد ما تحتفل الأُمّة المصرية في حفلة جامعة في أوائل سنة 1918م بإنشاد هذه القصيدة العمرية التي تتضمن ما ذكر من الأبيات، وتنشرها الجرائد في أرجاء العالم، ويأتي رجال مصر نظراء أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الابياري، وعلي جارم، وعلي أمين، وخليل مطران، ومصطفى الدمياطي بك وغيرهم ويعتنون بنشر ديوان هذا شعره، وبتقدير شاعر هذا شعوره، ويخدشون العواطف في هذه الازمة، في هذا اليوم العصيب، ويعكرون بهذه النعرات الطائفية صفو السلام والوئام في جامعة الإسلام، ويشتتون بها شمل المسلمين،ويحسبون انّهم يحسنون صنعاً.

إلى أن قال: وتراهم بالغوا في الثناء على الشاعر وقصيدته هذه كأنّه جاء للأُمّة بعلم جم أو رأي صالح جديد، أو أتى لعمر بفضيلة رابية تسرُّ بها الأُمّة ونبيُّها المقدَّس، فبشرى بل بشريان للنبي الأعظم، بأنّ بضعته الصديقة لم تكن لها أي حرمة وكرامة عند من يلهج بهذا القول، ولم يكن سكناها في دار طهّر اللّه أهلها يعصمهم منه ومن حرق الدار عليهم. فزه زه بانتخاب هذا شأنه، وبخ بخ ببيعة تمت بهذا الارهاب وقضت بتلك الوصمات(الغدير:7/86 ـ 87)

 

14. عمر رضا كحالة و «اعلام النساء»

عمر رضا كحالة من الكتاب المعاصرين اشتهر بكتابه «أعلام النساء» ترجم فيه حياة بنت النبي فاطمة الزهراء (عليها السَّلام) وممّا قال في ترجمتها:

 

وتفقد أبو بكر قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب كالعباس، والزبير وسعد بن عبادة فقعدوا في بيت فاطمة، فبعث أبو بكر إليهم عمر بن الخطاب، فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها. فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن.... ثمّ وقفت فاطمة على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقاً»( اعلام النساء:4/114)

 

إلى هنا تمّ ما وقفنا عليه في كتب أهل السنة ممّن أشار إلى نوايا الخليفة السيئة حيال بنت المصطفى وبيتها و من فيه، إلاّ أنّ أغلب هذه المصادر لم تخض في التفاصيل و لم تشر إلى الحوادث المريرة التي تلتها، لكن هناك أُناساً أبدوا شجاعة في اظهار الحقّ حيث أشاروا إلى الحوادث المريرة التي مرت على البيت الهاشمي.

وها نحن نشير إلى أسمائهم حسب التسلسل التاريخي.

 

 

كشف بيت فاطمة (عليها السَّلام) على لسان المؤرخين

 

15. أبو عبيد وكتاب الأموال

16. ابن سعد والطبقات الكبرى

17. النظام وكتاب الوافي بالوفيات

18. المبرد وكتاب الكامل

19. المسعودي ومروج الذهب

20. ابن أبي دارم وميزان الاعتدال

21. الطبراني والمعجم الكبير

22. ابن عبد ربه والعقد الفريد

23. ابن عساكر ومختصر تاريخ دمشق

24. ابن أبي الحديد وشرح نهج البلاغة

25. الجويني وكتاب فرائد السمطين

26. الذهبي وتاريخ الإسلام

27. نور الدين الهيتمي ومجمع الزوائد

28. ابن حجر العسقلاني ولسان الميزان

29. المتقي الهندي وكنز العمال

30. عبد الفتاح عبد المقصود وكتاب الإمام علي

 

 

15. أبو عبيد و كتاب «الأموال»

أبو عبيد قاسم بن سلاّم (المتوفّى عام 224) أحد الفقهاء الكبار في القرن الثالث، وقد اشتهر بكتابه النفيس «الأموال»الذي طبع غير مرة. فقد أزاح الستار عن وجه الحقيقة، وأشار إلى ما جرى على بيت فاطمة من المصائب. فقد نقل عن عبد الرحمن بن عوف قوله:

 

دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفّـي فيه فسلمت عليه، وقلت: ما أرى بك بأساً، والحمد للّه، ولا تأس على الدنيا، فو اللّه إن علمناك إلاّ كنت صالحاً مصلحاً.

 

فقال: إنّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهم، ووددت أنّي لم أفعلهم، وثلاث لم أفعلهم وددت انّي فعلتهم، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنهم، فأمّا التي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا. لخلة ذكرها قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها ـ ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين عمر أو أبـي عبيدة، فكان أمـيراً وكنـت وزيـراً، ووددت انّـي حيـث كنـت وجهت خالـداً إلـى أهـل الردة أقمت بـذي القصـة، فإن ظفر المسلمون ظفروا وإلاّكنت بصدد لقاء أو مـدد. الخ

(الأموال:193 ـ 194، مكتبة الكليات الأزهرية)

 

ثمّ إنّ صاحب «الأموال» وإن لم يصرح بلفظ الخليفة وكره التلفّظ به، لكن غيره جاء بنفس النص الذي أدلى به الخليفة يوم كان طريح الفراش وستقف على كلام الآخرين في هذا المجال.

 

16. ابن سعد و «الطبقات الكبرى»

يذكر محمد بن سعد (المتوفّى عام 229هـ) عند ترجمة أبي بكر ما هذا نصّه:

 

قال: أخبرنا عبد اللّه بن الزبير، حدّثنا إسماعيل بن عامر، قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاستأذن، فقال علي: هذا أبو بكر على الباب، فإن شئت أن تأذني له؟ قالت: وذلك أحب إليك؟ قال: نعم، فدخل عليها واعتذر إليها وكلّمها فرضيت عنه

(الطبقات:8/27، ط دار صادر)

 

17. النظام و «الوافي بالوفيات»

ألّف صلاح الدين خليل بن إيبك الصفدي كتاباً أسماه «الوافي بالوفيات»، استدرك على كتاب «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وقد ترجم فيه النظام المعتزلي إبراهيم بن سيار البصري (160 ـ 231هـ).

 

وقال: قالت المعتزلة إنّما لقب ذلك (النظام) لحسن كلامه نظماً ونثراً، وكان ابن أُخت أبي هذيل العلاف شيخ المعتزلة، وكان شديد الذكاء، ونقل آراءه، فقال: انّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتّى ألقت المحسن في بطنها(الوافي بالوفيات:6/17; والملل والنحل للشهرستاني:1/57 طبع دار المعرفة، ولاحظ في ترجمة النظام كتابنا «بحوث في الملل والنحل»:3/248 ـ 255)

 

18. المبرد و «الكامل»

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر البغدادي(210 ـ 285هـ) أحد الأُدباء الكتّاب، وصاحب الآثار الممتعة، وقد نقل في كتاب «الكامل» ما روي عن عبد الرحمن بن عوف عند ما زار أبا بكر في مرضه الذي مات فيه، وقال:

 

دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي مات فيه فسلمت وسألته: كيف به؟ فاستوى جالساً، إلى أن قال: قال أبو بكر: أمّا إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهنّ ووددت انّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلهنّ ووددت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهم.

فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت انّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أغلق على حرب، ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين: عمر أو أبي عبيدة، فكان أميراً وكنت وزيراً، ووددت انّي إذا أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته وكنت قتلته بالحديد أو أطلقته. وأمّاالثلاث التي تركتها ووددت انّي فعلتها....الخ

(شرح نهج البلاغة:2/45 ـ 47 ولاحظ الكامل:1/11، تحقيق الدكتور محمد أحمد الدّالي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ويظهر من محقّق الكتاب انّه وجد النص في الكامل حيث نقل شيئاً منه حول هذا النص. إلاّ انّ اليد الأمينة على التراث حرفت الباقي فلم تذكر الرواية برمتها حسب ما نقله ابن أبي الحديد عن الجوهري عن الكامل للمبرد)

 

19. المسعودي و «مروج الذهب»

إنّ أبا الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (المتوفّى عام 346هـ)، أحد المؤرخين البارعين الذين كان لهم دور هام في تدوين تاريخ الإسلام، وقد ذكر في تاريخه المعروف بـ «مروج الذهب» عند ذكر أبي بكر ونسبه ولمع من أخباره وسيره، قال:

 

ومن كلامه انّه لما احتضر، قال: ما آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتها وددت انّي تركتها، وثلاث تركتها وددت انّي فعلتها، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنها، فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت انّي تركتها، فوددت انّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ـ وذكر في ذلك كلاماً كثيراً ـ ووددت انّي لم نعم أشار المحقق في ذيل الصفحة إلى ما رواه صاحب العقد الفريد.

أكن حرقت الفجاءة وأطلقته نجيحاً أو قتلته صريحاً، ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين فكان أميراً وكنت وزيراً، والثلاث التي تركتها وودت انّي فعلتها... الخ(مروج الذهب:2/301، ط دار الأندلس، بيروت)

 

20. ابن أبي دارم و «ميزان الاعتدال»

أحمد بن محمد المعروف بابن أبي دارم، المحدث الكوفي (المتوفّى عام 357هـ) الذي يعرفه الذهبي، بقوله: كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة. وينقل(سير اعلام النبلاء:15/578، رقم الترجمة349) عنه الحاكم.

ويقول أيضاً في كتابه «ميزان الاعتدال»: كان مستقيم الأمر عامة دهره، ثمّ في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب وحضرته ورجل يقرأ عليه:

 

انّ عمر رفص فاطمة حتى أسقطت بمحسن

(ميزان الاعتدال:1/139، رقم الترجمة552)

 

21. الطبراني و «المعجم الكبير»

أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني(260 ـ 360هـ) صاحب «المعجم الكبير» يعرفه الذهبي في ميزانه، ويقول: حافظ، ثبت(ميزان الاعتدال:2/195، رقم الترجمة3423) فقد نقل في فصل أسماه «مما اسند أبو بكر عن رسول اللّه» فجاء في ذلك الفصل حديث عبد الرحمن بن عوف أبا بكر في مرضه الذي توفّي فيه، فقال أبو بكر له:

 

أمّا انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهن ووددت انّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت انّي فعلتهن،وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنها، فأمّا الثلاث اللاتي وددت انّي لم أفعلهن، فوددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وان أُغلق على الحرب، ووددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر، فكان أميراً وكنت وزيراً...الخ

(المعجم الكبير:1/62، برقم 43)

 

22. ابن عبد ربه و «العقد الفريد»

قد تقدّم كلام ابن عبد ربه عند ذكر الحوار الذي دار بين فاطمة وعمر بن الخطاب من دون أن يشير هناك إلى الحوادث المريرة التي وقعت بعده ولكنّه صرح في مورد آخر بكشف الدار حيث نقل حديث عبد الرحمن بن عوف عند ما زار أبا بكر في مرضه، فقال: و قال تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر:

 

أجل انّي لا آسي على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن، ووددت اني تركتهن، وثلاث تركتهن ووددت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنهن.

فأمّا الثلاث التي فعلتهن ووددت انّي تركتهن، فوددت انّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء و إن كانوا أغلقوه على الحرب،...الخ

(العقد الفريد:4/93، تحت عنوان استخلاف أبي بكر لعمر)

 

23. ابن عساكر و «مختصر تاريخ دمشق»

ألف علي بن حسن المعروف بابن عساكر (المتوفّى عام 571هـ) كتاباً في تاريخ دمشق طبع في ثمانين جزءاً وقد لخصه محمد بن مكرم المعروف بأبي منظور (620 ـ 711هـ) فجاء في ترجمة أبي بكر انّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفّـي فيه، فأصابه مفيقاً إلى أن قال:

 

فقال أبو بكر: لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وودت أنّي لو تركتهن، وثلاث تركتهن وودت انّي فعلتهن، وثلاث وددت لو أنّي سألت عنهن رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). فأمّا التي وددت انّي تركتهن: يوم سقيفة بني ساعدة وددت لو أنّي ألقيت هذا الأمر في عنق أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً، وكنت وزيراً، وددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيء مع أنّهم أغلقوه على الحرب(مختصر تاريخ دمشق:13/122)

 

24. ابن أبي الحديد و «شرح نهج البلاغة»

عبد الحميد بن هبة اللّه المدائني المعتزلي (المتوفّى عام 655هـ) المؤرخ والكاتب القدير مؤلف «شرح نهج البلاغة» في عشرين جزءاً، فيها تاريخ وأدب، وكلام وفلسفة، يعرب عن تضلّعه في العلوم الإسلامية عامة، فقد نقل عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري مؤلف كتاب «السقيفة» بلا غمز وردّ.(كتاب السقيفة لمؤلفه أحمد بن عبد العزيز، أقدم وأبسط كتاب تناول حوادث السقيفة بالشرح والتفصيل، ينقل عنه ابن أبي الحديد كثيراً في أجزاء مختلفة من كتابه فلو قام أحد بجمع ما نقل عنه في شرح نهج البلاغة لعاد ذلك الكتاب إلى الساحة بعد افتقاده)

 

فذكر قوله: إنّي لا آسى إلاّ على ثلاث فعلتهن ووددت انّي لم أفعلهنّ، وثلاث لم أفعلن وودت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنهنّ; فأمّا الثلاث التي فعلتها ووددت انّي لم أكن فعلتها، فوددت انّي لم أكن كشفت عن بيت فاطمة وتركته ولو أُغلق على حرب(شرح نهج البلاغة:2/46 ـ 47)

 

وقال في مكان آخر نقلاً عن القاضي عبد الجبار:

 

وأمّا حديث الإحراق فلو صحّ لم يكن طعناً على عمر لأنّ له أن يهدد من امتنع عن المبايعة إرادة للخلافة على المسلمين(شرح نهج البلاغة:16/272 وقال المعلق: نقله المرتضى في الشافي:234 ـ 235)

 

25. الجويني و «فرائد السمطين»

إبراهيم بن محمد الحديد المعروف بالجويني (المتوفّـى عام 722هـ) من مشايخ الذهبي، يقول في حقه: إمام، محدث، فريد، فخر الإسلام وصدر الدين(معجم شيوخ الذهبي:125 رقم الترجمة156)

فقد روى في كتاب فرائد السمطين بالسند المذكور فيه عن ابن عباس، انّ رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السَّلام)، فلما رآه بكى، ثمّ قال: إليَّ إليَّ يا بُنيّ فمازال يُدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى. ثمّ أقبل الحسين (عليه السَّلام) فلمّا رآه بكى، ثمّ قال: إليَّ إليَّ يا بُنيّ، فمازال يُدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليُسرى. ثمّ أقبلت فاطمة (عليها السَّلام)، فلمّا رآها بكى، ثمّ قال: إليَّ إليَّ يا بُنيّة فاطمة، فاجلسها بين يديه. ثمّ أقبل أمير المؤمنين علي (عليه السَّلام)، فلمّا رآه بكى، ثمّ قال: إليّ إليّ يا أخي، فمازال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الأيمن.

فقال له أصحابه يا رسول اللّه! ما ترى واحداً من هؤلاء إلاّ بكيت! أو ما فيهم من تسرّ برؤيته؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): والذي بعثني بالنبوة، واصطفاني على جميع البرية، إنّي وإيّاهم لأكرم الخلائق على اللّه عزّوجلّ و ما على وجه الأرض نسمة أحبَّ إليَّ منهم.

إلى أن قال: وأمّا ابنتي فاطمة فانّها سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وهي بضعة منّي وهي نور عيني،وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جلّ جلاله، زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض.

ويقول اللّه عزّ وجلّ لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي، ترعد فرائصها من خيفتي وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أُشهدكم انّي قد أمّنت شيعتهامن النار. وانّي لما رأيتها ذكرتُ ما يُصنع بها بعدي كأنّي بها و «قد دخل الذُّل بيتها وانتهكت حرمتها وغصب حقّها، ومنعت إرثها،وكُسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي يا محمداه فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث(فرائد السمطين:2/34 ـ 35، ط بيروت)

 

26. الذهبي و «تاريخ الإسلام»

يقول شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفّى 748هـ) في كتاب تاريخ الإسلام:

 

روى علوان بن داود البجلي، عن حميد بن عبدالرحمن عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، وقد رواه الليث بن سعد عن علوان عن صالح نفسه، قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه فسلمت عليه وسألته كيف أصبحت؟ فقال: بحمد اللّه بارئاً، إلى أن قال: ثمّ قال: انّي لا آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتهن وثلاث لم أفعلهن، وثلاث وددت أنّي سألت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنهن: وددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وأن أُغلق عليّ الحرب، وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق عمر أو أبي عبيدة(تاريخ الإسلام:3/117 ـ 118)

 

27. نور الدين الهيتمي و «مجمع الزوائد»

أخرج الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيتمي (المتوفّى سنة 807هـ) في كتابه مجمع الزوائد و ضبع الفوائد في باب كراهة الولاية ولمن تستحب.

 

روى وقال: فعن عبد الرحمن بن عوف، قال: دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفي فيه وسلمت عليه وسألته كيف أصبحت؟ فاستوى جالساً وقال: أصبحت بحمد اللّه بارئاً ـ إلى أن قال: ـ أمّا انّي لا آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتهن وددت انّي لم أفعلهن، وثلاث لم أفعلهن وددت انّ فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسـول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عنهن.

فأمّا الثلاث التي وددت انّي لم أفعلهنّ فوددت انّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وان اغلق على الحرب، وددت انّي يوم سقيفة بني ساعدة قذفت الأمر في عنق الرجلين أبو عبيدة أو عمر و كان أمير المؤمنين وكنت وزيراً.

(مجمع الزوائد:5/202 ـ 203)

 

28. ابن حجر العسقلاني ولسان الميزان

أخرج الإمام الحافظ شهاب الدين أبو الفضل المعروف بالعسقلاني (المتوفّى سنة 852هـ) في كتابه لسان الميزان بسنده عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، قال:

 

دخلت على أبي بكر أعوده فاستوى جالساً فقلت: أصبحت بحمد اللّه بارئاً، فقال أبو بكر: أمّا إنّي على ماترى بي... انّي لا آسى على شيء إلاّعلى ثلاث وددت انّي لم أفعلهن وددت انّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أُغلق على الحرب، وددت انّي يوم السقيفة كنت قذفت الأمر في عنق أبي عبيدة أو عمر فكان أميراً وكنت وزيراً(لسان الميزان:4/188 ـ 189)

 

29. المتقي الهندي و «كنز العمال»

روى علاء الدين المتقي الهندي (المتوفّى عام 975هـ) في كنز العمال حديث عبد الرحمن بن عوف بنحو مفصل، وقال:

 

عن عبد الرحمن بن عوف انّ أبا بكر الصديق، قال له في مرض موته: إنّي لا آسى على شيء إلاّعلى ثلاث فعلتهن ووِددت انّي لم أفعلهن وثلاث لم أفعلهن ودِدت انّي فعلتهن، وثلاث وددت انّي سألت رسول اللّه عنهن، فأمّا اللاتي فعلتها ووددت انّي لم أفعلها فوددت انّي لم أكن أكشف بيت فاطمة وتركته وإن كانوا قد غلقوه على الحرب...(كنز العمال:5/631، رقم الحديث14113)

 

 

30. عبد الفتاح عبد المقصود و كتاب «الإمام علي عليه السَّلام»

إنّ عبد الفتاح مؤلف كتاب «الإمام علي (عليه السَّلام)» أحد الكتّاب البارعين في العصر الحاضر، فقد جدّ وثابر وبذل جهود جبارة وأخذ زبدة المخض من الحقائق الناصعة وقدم بكتابه هذا خدمة مشكورة وقال في حادثة الدار:

 

إنّ عمر قال: والذي نفسي بيده، ليخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.

قالت له طائفة ـ خافت اللّه، ورعت الرسول في عقبه ـ: يا أبا حفص انّ فيها فاطمة....

فصاح لا يبالي: وإن واقترب وقرع الباب، ثمّ ضربه واقتحمه...وبدا له عليّ.

ورنّ حينئذاك صوت الزهراء عند مدخل الدار.

فان هي إلاّ رنة استغاثة أطلقتها «يا أبت رسول اللّه...» تستعدي بها الراقد بقربها في رضوان ربّه عليعسف صاحبه، حتّى تبدّل العاتي المدل غير إهابه، فتبدّد على الأثر جبروته، وذاب عنفه وعنفوانه، وودّ من خزى لو يخرّ صعقاً تبتلعه مواطئ قدميه ارتداد هدبه إليه.

وعندما نكص الجمع، وراح يفرّ كنوافر الظباء المفزوعة أمام صيحة الزهراء، كان عليّ يقلّب عينيه من حسرة وقد غاض حلمه، وثقل همّه، وتقبضت أصابع يمينه على مقبض سيفه كهمّ من غيظه أن تغوص فيه

(عبد الفتاح عبد المقصود: الإمام علي عليه السَّلام:4/274 ـ 277.وله كلمة أُخرى في هذا الموضوع لاحظ الجزء1/192 ـ 193 لم نأت بها روماً للاختصار)

 

 

في الوثائق التاريخية

 

انّ هنا وثائق تاريخية تكشف عمّا جرى عليها من ظلم وقسوة وهضم حقّ ممّا يندى له جبين الإنسانية.

الوثيقة الأُولى:

احتجاج عروة بن الزبير بعمل الخليفة لتبرير فعل أخيه عبد الله الذي جمع الحطب لإحراق بني هاشم.

الوثيقة الثانية:

كتاب يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عمر.

الوثيقة الثالثة:

الأحاديث الّتي رواها البخاري في كتاب «الخمس والمغازي».

الوثيقة الرابعة:

الخطبة الغرّاء لفاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ الّتي ألقتها في محتشد عظيم ضمّ المهاجرين والأنصار.

 

انّ ما ذكرناه من المصادر الجمّة يكفي في إثبات المقصود ولو أضفنا إليه ما ذكره مؤرّخو الشيعة ومحدّثوهم حول حوادث السقيفة، لأصبحت القضية من المتواترات بل الضروريات التي لا يشكّ فيها من له إلمام بالتاريخ.

وقد كانت القضية في العصور الأُولى من الأُمور المسلمة حتى أنّ بعض من تلطّخت أيديهم بدماء المسلمين أخذوا يبرّرون ما يقترفونه بعمل الخليفة، وإليك هذه الوثائق التاريخية.

 

الوثيقة الأُولى

روى المسعودي «انّ ابن الزبير عمد إلى مكة من بني هاشم، فحصرهم في الشعب، وجمع لهم حطباً عظيماً لو وقعت فيه شرارة من نار لم يسلم من الموت أحد، وفي القوم محمد بن الحنفية.

ثمّ قال وحدّث النوفلي في كتابه في الاخبار، عن ابن عائشة، عن أبيه، عن حماد بن سلمة، قال: كان عروة بن الزبير يعذِّر أخاه إذا جرى ذكرُ بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه لهم الحطب لتحريقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته إذا هم أبوا البيعة فيما سلف، وهذا خبر لا يحتمل ذكره هنا،وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب «حدائق الأذهان».

 

ونقله ابن(مروج الذهب:3/77، ط دار الأندلس) أبي الحديد أيضاً وقال: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم ويقول: إنّما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر، فانّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار

(شرح نهج البلاغة:20/147)

 

الوثيقة الثانية

وروى البلاذري قال: لما قتل الحسينعليه السَّلام كتب عبد اللّه بن عمر إلى يزيد بن معاوية:

 

أمّا بعد، فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الإسلام حدث عظيم، ولا يوم كيوم قتل الحسين.

فكتب إليه يزيد: أمّا بعد، يا أحمق، فانا جئنا إلى بيوت مجدَّدة، وفرش ممهدة، ووسادة منضّدة، فقاتلنا عنها فإن يكن الحقّ لنا فعن حقّنا قاتلنا. وإن كان الحقّ لغيرنا، فأبوك أوّل من سنّ هذا، واستأثر بالحقّ على أهله

(نهج الحق وكشف الصدق:356، علق عليه فرج اللّه الحسيني، مكتبة المدرسة. نقله عن الأنساب للبلاذري)

 

الوثيقة الثالثة

إنّ هناك قرائن وشواهد تدل بوضوح على أنّ سيدة نساء العالمين استقبلت بعد رحيل أبيها حوادثَ مريرة من قبل من تسنّم منصة الخلافة، ويدل على ذلك الأُمور التالية:

 

أ. انّ فاطمة هجرت أبا بكر ولم تكلمه إلى أن ماتت.

أخرج البخاري في كتاب الخمس «فغضبت فاطمة بنت رسول اللّه فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت»( صحيح البخاري:4/42، دار الفكر، بيروت)

وأخرج في كتاب الفرائض وقال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت(صحيح البخاري:8/30، دار الفكر، بيروت)

وذكر في كتاب المغازي في باب غزوة خيبر قوله: فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت(صحيح البخاري:5/82، دار الفكر، بيروت)

فما ظنك بروايات يرويها الإمام البخاري، وما هذا إلاّ لأنّها انتهكت حرمتها حتى لاذت بقبر أبيها، و قالت:

ماذا على من شمّ تربة أحمد   لاّ يـشـم مـدى الزمان غواليا

صُبَّت عليَّ مصائب لو أنّها        صُبَّت على الأيّام صرن ليالياً(وفاء الوفا:2/444)

 

ب. انّ عليّاً لما جهز فاطمة الزهراء وأودعها في قبرها، هاج به الحزن، وخاطب الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقال:

«ستنبّئك ابنتك بتضافر أُمّتك على هضمها، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر»( نهج البلاغة:الخطبة 202)

كلّ ذلك يعرب عن أنّها (عليها السَّلام) ماتت مظلومة، مقهورة، مغصوبة الحقّ.

 

ج. انّها دفنت ليلاً بإيصاء منها، فما هو السرّ في هذا الإيصاء.

قال البلاذري بعد ذكره السند: انّ علياً دفن فاطمة (عليها السَّلام) ليلاً، إلى أن قال: وأوصت فاطمة (عليها السَّلام) أن تحمل على سرير طاهر، فقالت لها أسماء بنت عميس: اصنع لك نعشاً كما رأيت أهل الحبشة يصنعون فأرسلت إلى جريد رطب فقطعته، ثمّ جعلت لها نعشاً، فتبسمت ولم تر متبسمة بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّساعتها تيك، وغسلها عليّ، وأسماء، وبذلك أوصت ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها(أنساب الأشراف:1/405)

 

الوثيقة الرابعة: خطبة الزهراء عليها السَّلام بعد وفاة أبيها

 

وممّا يدلّ على أنّها ماتت مقهورة، مظلومة، مغصوبة الحقّ، هي خطبتها المعروفة التي هي في غاية الفصاحة والبلاغة، والمتانة وقوة الحجة، وهي من محاسن الخطب وبدائعها، عليها مسحة من نور النبوة، وفيها عبقة من أرج الرسالة، قد أوردها الموالف والمخالف وسيوافيك اسنادها في آخر الخطبة.

روى المؤرخون والمحدِّثون انّه لمّا أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فدكاً وبلغ فاطمة (عليها السَّلام) لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها(الحَفَدُ والحفدة: الأعوان والخدمة. لسان العرب:3/153) ونساء قومها، تطأ ذيولها(تطأ ذيولها: قال المجلسي (قدَّس سرَّه): أي كانت أثوابها طويلة تستر قدميها وتضع عليها قدمها عند المشي، وجمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدّد الثياب ـ بحار الأنوار)، ما تخرم مشيتها مشية [أبيها ]رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)( وقال أيضاً: الخرم: الترك والنقص والعدول، والمشية بالكسر: الاسم من مشى يمشي مشياً أي لم تنقص مشيتها من مشيه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) شيئاً كأنّه هو بعينه ـ نفس المصدر)

حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد(الحَشْدُ: الجماعة ـ لسان العرب:3/150) من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت(النوط: ما علّق ـ لسان العرب:7/418) دونها ملاءة(الملاء بالضمّ والمدّ: جمع ملاء وهي الإزار والربطة ـ النهاية:4/352 والمراد منه: أي ضربوا بينهاعليها السَّلام وبين القوم ستراً وحجاباً)، فجلست، ثمّ أنَّت أنَّةً أجهش(الجَهْشُ: أن يفزع الإنسان إلى غيره وهو مع ذلك يريد البكاء، كالصبيّ يفزع إلى أُمّه وقد تهيّأ للبكاء ـ الصحاح:3/999) القوم لها بالبكاء، فارتجّ (الارتجاج: الاضطراب. يقال ارتجّ البحر: اضطرب ـ لسان العرب:2/282) المجلس، ثمّ أمهلت هُنيئة حتّى إذا سكن نشيج(النشج: الصوت مع توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره ـ مجمع البحرين) القوم وهدأت(هدأ كمنع: سَكَنَ ـ لسان العرب:1/180) فورتهم(الفور: الغليان والاضطراب ـ مجمع البحرين)، افتتحت الكلام بحمد اللّه تعالى والثناء عليه والصلاة على رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها، فقالت عليها السَّلام:

الحمد للّه على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهد أن لا إله إلاّاللّه وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمّن القلوب موصولها، وأنار في التفكّر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة(يقال احتذى مثاله: أي اقتدى به ـ الصحاح:6/2311) امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيّته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له فـي تصويرهـا، إلاّ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته وإعزازاً لدعوته، ثمّ جعل الثـواب على طاعته، ووضـع العقاب على معصيته، ذيادة لعباده عن نقمته، وحياشته (قال المجلسي (قدَّس سرَّه): الذود والذياد، بالذال المعجمة: السوق والطرد والدفع والإبعاد. وحشت الصيد أحوشه: إذا جئته من حواليه لتصرفه إلى الحبالة، ولعلّ التعبير بذلك لنفور الناس بطباعهم عمّا يوجب دخول الجنّة ـ بحار الأنوار) لهـم إلـى جنته.

وأشهد أنّ أبي، محمّداً[النبيّ الأُمّي] (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عبده ورسوله اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسمّـاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة(وقال المجلسي (رحمه الله) أيضاً: لعلّ المراد بالستر ستر العدم، أو حجب الأصلاب والأرحام، ونسبته إلى الأهاويل لما يلحق الأشياء في تلك الأحوال من موانع الوجود وعوائقه)، ويحتمل أن يكون المراد أنّها كانت مصونة عن الأهاويل بستر العدم إذ هي إنّما تلحقها بعد الوجود.

 وقيل: التعبير بالأهاويل من قبيل التعبير عن درجات العدم بالظّلمات ـ نفس المصدر.

وبنهاية العدم مقرونة، علماً من اللّه تعالى بم آيل الأُمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور.

ابتعثه اللّه إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأُمم فرقاً في أديانهم، عُكَّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للّه مع عرفانها، فأنار اللّه بأبي، محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ظُلَمَها، وكشف عن القلوب بهمها(البُهَمْ جمع بهمة بالضمّ، وهي مشكلات الأُمور ـ النهاية:1/168)، وجلا عن الأبصار غممها(الغُمَمُ: جمع الغمّة، يقال: هو في غمّة أي في حيرة ولبس ـ مجمع البحرين)، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدّين القويم، ودعاهم إلى الصّراط المستقيم.

ثمّ قبضه اللّه إليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار، فمحمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من تعب هذه الدار في راحة، قد حُفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفّار، ومجاورة الملك الجبّار، صلّى اللّه على أبي، نبيّه وأمينه على الوحي، وصفيّه [في الذّكر ]وخيرته من الخلق ورضيّه،والسلام عليه ورحمة اللّه وبركاته.

ثمّ التفتتعليها السَّلام إلى أهل المجلس وقالت: أنتم عباد اللّه نصب(النَّصبُ والنُّصُبُ: العَلَمُ المنصوب ـ لسان العرب:1/759) أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأُمناء اللّه على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأُمم، وزعمتم حقّ لكم، للّه فيكم عهد، قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم: كتاب اللّه الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللاّمع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج اللّه المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، و رخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.

فجعل اللّه الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحجّ تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام[وذلاًّ لأهل الكفر والنفاق]، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الولدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة(النّسء: تأخير في الوقت ـ المفردات:492)في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء،

والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللّعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرّم اللّه الشرك إخلاصاً له بالربوبية، فاتّقوا اللّه حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون، وأطيعوا اللّه فيما أمركم به و[ما ]نهاكم عنه، فإنّه إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء.

ثمّ قالت: أيّها الناس اعلموا: إنّي فاطمة وأبي محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أقول عَوداً وبدواً ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً(يقال: شطّ فلان في حكمه شطوطاً وشططاً: جار وظلم ـ المصباح:1/377)، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تعزوه(قال المجلسي (رحمه الله): يقال عزوته إلى أبيه أي: نسبته إليه. أي إن ذكرتم نسبه وعرفتموه تجدوه أبي ـ بحار الأنوار)وتعرفوه، تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم، ولنعم المعزى إليه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين(وقال أيضاً: الصّدع: الإظهار، تقول: صدعت الشيء: أي أظهرته وصدعت بالحق: إذا تكلمت به جهاراً. والنذارة بالكسر: الإنذار وهو الإعلام على وجه التخويف. والمدرجة: المذهب والمسلك ـ نفس المصدر)، ضارباً ثَبَجهم(الثَّبَجُ بالتحريك: وسط الشيء ومعظمه ـ النهاية: 1/206)، آخذاً بأكظامهم(الكَظَمُ بالتحريك: مخرج النَّفَس من الحلق ـ مجمع البحرين، لسان العرب:12/520)، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام، وينكث الهام، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتّى تفرّى(تفرّى: أي انشق، يقال تفرّى الليل عن صبحه ـ الصحاح:6/2454) الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق(الشقاشق: جمع شِقْشِقَة بالكسر ـ وهي شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج ـ لسان العرب:10/185) الشياطين، وطاح(طاح: هلك وسقط ـ مجمع البحرين)وشيظ النفاق(قال المجلسي (قدَّس سرَّه): الوشيظ بالمعجمتين: الرذل والسّفلة...وفي بعض النسخ: الوسيط بالمهملتين: أشرف القوم نسباً و أرفعهم محلاً وهـو أيضاً مناسـب ـ بحار الأنوار)، وانحلّت عقد الكفر والشقاق، وفهتم(فاه الرجل بكذا، يفوه: تلفّظ به ـ المصباح:2/161) بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص(قال المجلسي (رحمه الله): البيض: جمع أبيض وهو من الناس خلاف الأسود والخماص بالكسر جمع خميص والخماصة: تطلق على دقة البطن خلقة وعلى خلوه من الطعام يقال: فلان خميص البطن من أموال الناس: أي عفيفٌ عنها والمراد بالبيض الخماص: إمّا أهل البيت (عليهم السَّلام) ويؤيده ما في كشف الغمة:2/111: في نفر من البيض الخماص الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.  ووصفهم بالبيض لبياض وجوههم... وبالخماص لكونهم ضامري البطون بالصوم وقلة الأكل أو لعفّتهم عن أكل أموال الناس بالباطل. أو المراد بهم من آمن من العجم كسلمان (رضي اللّه عنه) و غيره ويقال لأهل فارس: «بيض» لغلبة البياض على ألوانهم وأموالهم، إذ الغالب في أموالهم الفضّة... والأوّل أظهر ـ بحار الأنوار.) (الَّذينَ أَذْهَبَ اللّه عَنْهُمُ الرِّجس وَطَهَّرهُمْ تَطْهِيراً)

 

أسناد الخطبة

 

روى الخطبة غير واحد من المحدِّثين والمؤرخين نذكر من وقفنا عليه حسب التسلسل التاريخي:

 

1. أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر (204 ـ 280هـ)

قال الإمام أبو الفضل في كتاب «بلاغات النساء»: ذكرت لأبي الحسين(ربما يتصوّر وجود السقط في السند لأنّ صاحب البلاغات لم يدرك زيداً الشهيد (أعيان الشيعة:1/315) ويحتمل أن يكون المراد من أبي الحسين هو زيد الأصغر الذي هو من أصحاب الهادي، انظر تهذيب التهذيب:30/420 وإرشاد المفيد، ص 332، ولاحظ تعليقة الشافي للسيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب:4/76.) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم كلام فاطمة (عليها السَّلام) عند منع أبي بكر إيّاها فدك، وقلت له: إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع وأنّه من كلام أبي العيناء «الخبر منسوق البلاغة على الكلام» (يعني انّ الطعن هو في نسبة هذا الكلام البليغ إلى فاطمة عليها السَّلام، أمّا نفس الواقعة وهي منع الإرث فهي صحيحة ومبثوثة في كتب التاريخ)

فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلّمونه أبناءهم، وقد حدّثنيه أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة (عليها السَّلام) على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي العيناء، وقد حدّث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنّه سمع عبد اللّه بن الحسن يذكره عن أبيه، ثمّ قال أبو الحسين وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكرونه وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة يتحققونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت، ثمّ ذكر الحديث، قال:

لما أجمع أبو بكر (رحمه الله) على منع فاطمة بنت رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعليها فدك وبلغ ذلك فاطمة لاثت خمارها على رأسها، وأقبلت في لمة من حفدتها...( بلاغات النساء:23ـ33)

 

2. أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري (المتوفّى 323هـ)

روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، الخطبة برمتها في كتابه «السقفية» ص 97 ـ 101، وقد رواها عنه غير واحد من الأعلام كابن أبي الحديد في شرح النهج، والإربلي في «كشف الغمة» كما سيوافيك.

 

3. الشريف المرتضى(355 ـ 436هـ)

قال الشريف المرتضى في مقام الرد على القاضي عبد الجبار مؤلف المغني: روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيّع ولا عصبية فيه من كلامها (عليها السَّلام) في تلك الحال، بعد انصرافهاعن مقام المنازعة والمطالبة ما يدلّ على ما ذكرناه من سخطها وغضبها، ونحن نذكر من ذلك ما يستدلّ به على صحة قولنا.

أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عمران المرزباني قال: [حدثني محمد بن أحمد الكاتب]، حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي قال: حدثنا الزيادي، قال: حدثنا الشرقي بن القطامي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثنا صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة.

قال المرزباني: وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكي قال:حدثنا أبو العينا محمد بن القاسم السيمامي، قال: حدثنا ابن عائشة قال: لما قبض رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أقبلت فاطمة (عليها السَّلام) في لمة من حفدتها إلى أبي بكر، وفي الرواية الأُولى.

قالت عائشة: لما سمعت فاطمة (عليها السَّلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها [ثم اجتمعت الروايتان في هاهنا] ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة ثمّ أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء وارتج المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد للّه

عزّوجلّ والثناء عليه والصلاة على رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ثمّ قالت:...( الشافي في الإمامة:4/69 ـ 77)

 

4. محمد بن علي بن الحسين الصدوق(306 ـ 381هـ)

ذكر الشيخ الصدوق في معاني الأخبار خطبة أُخرى يقرب مضمونها مع تلك الخطبة (معاني الأخبار:354)، رواها بسندين.

 

5. محمد بن الحسن الطوسي(385 ـ 460هـ)

ذكر شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي الطائر الصيت مؤلف تفسير «التبيان في تفسير القرآن» في عشرة مجلدات، في أماليه خطبة أُخرى يقرب مضمونها مع تلك الخطبة باسناده عن الحفّار، قال: حدثنا الدعبلي، قال: حدثنا أحمد بن علي الخزّاز، قال: حدثنا أبو سهل الرفا، قال: حدثنا عبد الرزّاق. قال الدعبلي: وحدثنا أبو يعقوب: إسحاق بن إبراهيم الديري، قال: حدثنا عبدالرزّاق، قال: أخبرنا معمّر عن الزهري، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: دخلن نسوة من المهاجرين والأنصار...(أمالي الطوسي:384، المجلس الثالث عشر)

 

6. ابن أبي الحديد (المتوفّـى 655هـ)

رواها المؤرخ المحقّق في شرحه على نهج البلاغة عن كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري قال:

قال أبو بكر: فحدّثني محمّد بن زكريا قال: حدّثني جعفر بن محمد بن عُمارة الكنديّ قال: حدثني أبي، عن الحسين بن صالح بن حيّ، قال: حدثني رجلان من بني هاشم، عن زينبَ بنت عليّ بن أبي طالب (عليه السَّلام). قال: وقال جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه. قال أبوبكر: وحدّثني عثمان بن عمران العجيفيّ، عن نائل بن نجيح بن عمير بن شَمِر، عن جابر الجُعفيّ، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليه السَّلام)، قال أبو بكر: وحدثني أحمد بن محمد بن يزيد، عن عبد اللّه بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن حسن بن الحسن. قالوا جميعاً: لمّا بلغ فاطمة (عليها السَّلام) إجماعُ أبي بكر على منعها فَدَك، لاثتْ خِمارَها، وأقبلت في لُمّة من حَفَدَتِها ونساء قومها، تطأ في ذيولها، ما تخرم مشْيتها مشْية رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى دخلت على أبي بكر.( شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد:16/211)

 

7. أبو الحسن الإربلي (المتوفّـى 693هـ)

روى أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الاربلي في كتاب «كشف الغمة» وقال: «حيث انتهى بنا القول إلى هنا، فلنذكر خطبة فاطمة (عليها السَّلام) وقد أوردها الموالف والمخالف ونقلتُها من كتاب «السقيفة» تأليف أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها، وقرئت عليه في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، روى رجاله عن عدّة طرق انّ فاطمة (عليها السَّلام) لما بلغها إجماع أبي بكر على منعها فدكاً لاثت خمارها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها(كشف الغمة:1/108 ـ 116)

ولنقتصر بهذا المقدار من الاسناد، فلو أردنا الاستقصاء، لطال بنا الكلام، ولطال موقفنا مع القراء.

 

*  *  *

 

ونختم الرسالة بالسلام على الصدّيقة الشهيدة الممنوع إرثها،

المكسور ضلعها، المظلوم بعلها، المقتول ولدها

سلاماً، لا بداية له ولا نهاية.

 

جعفر السبحاني                 

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السَّلام)   

29 / ذي الحجة الحرام من شهور عام 1421هـ.

 


برچسب‌ها: الشیعة, أهل السنّة والجماعة, الرافضي الرافضة الروافض, فاطمة الزهراء, عمر بن الخطاب
+ نوشته شده در  سه شنبه هجدهم تیر 1392ساعت 21:44  توسط المحقّق